ابن بطوطة

290

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

مشتملة بالمحاسن أحسن الاشتمال . وفيها مرتبة الملك العزيز التمكين ، أحسن من طاقات السوسان والنسرين . وهي مستندة إلى ألواح تتصل بلطائف الصنعة ، وتتلاءم أجزاؤها فتصير سورا ظاهر المنعة . وقد أودعها الدّهانون عجائب اشغالهم . وأظهروا بالفعل ما كان بالقوة في خيالهم حتى شمل الاتقان جميع ما تقع عليه الأبصار ، وتتشوّف إليه الأفكار ، واستوضحت الحكم التي استتبعت بها الأسرار . ويستقدم قبّة الجلوس مجال يقيد الألحاظ ، وتقف على ذكر محاسنه الألفاظ . وبه طريق الخليفة إذا خرج من مضاربه إلى حياة الساقة ، التي قامت قيام الجبل الرفيع الذروة ، والحديقة الملتفّة بأعلى الربوة . مرسلة أطنابها إرسال شآبيب الأمطار ، رافعة عمدها الثابت الذي كاد كالحروف . فتنتشر المرواقات على أعطافها ، وتتكاشف بمواطن استشرافها . حتى تحيط بالبقعة المتخيّرة لنزول خير الملوك ، والمنزّل المطهر الذي يحوز بسلوك الإمام عليه بركة أهل السلوك . سور عظيم يعارض مهاب الرياح ، ويسمو سمو الحبا على الراح . ويزاحم الجو بمناكبه ، ويكاتب البروق المومضة بكوائبه . وله شرفات من الرقاع الزرق تباهي ألوان السحاب ، والعيون المناسبة في حجر الروض أحسن الانتساب . وله بابان أحدهما جوفي وهو المسمى بباب الصرف ، وهو مفتوح لبيت علا سمكه علو السماك ، وأشرف على المحلّة إشراف البدر المنوّر الأحلاك . وأعرب عن الفخامة الثابتة الدلائل ، والجلالة الرفيعة المنازل ، والضخامة التي أنافت على الملوك الأوائل . والباب الثاني بقبلية أمام البرج الذي كاد يبلغ عنان السماء ، ويزحم النجوم المختومة كؤوسها بمسك الظلماء . وهو مربّع الشكل ، محتفل العلو والسفل ، دواخل حيطانه أبدع من الروض غب العهاد ، وأحسن من تحلّيات الخريدة ولا غرو فهي منوطة بالعماد . فسيح مجال الأطناب ، عالي مسادل الجلباب . شديد الأركان ، يفوق شامخ البنيان . سام على الهضاب ، دافع في صدور السحاب . قابض بأعنّة الرياح الهوج ، مشرف كغوارب القلائص العوج . قد لبس أثواب الهيئة وجرّ برودها ، وصدع بأنوار العزّ وأبدى صعودها . وزهى بجامور تحسد الثريا اجتماع تفافيحه ، ويود الشفق لو كان بعض ذوائبه المرسلة إلا هزّ ريحه . وفي جوفه حائط من الخشب يروق الأبصار بريقه ، ويفوق الوشي اليماني تنميقه . حسن المساق ، جميع الاستنساق تجتمع أجزاءه بعد الافتراق ، وتعود بعد الانخرام للانتظام والاتّساق .